بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تأملوا معي هذا الحديث العظيم الذي رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنهعن النبي، صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تُعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا فأيُّ قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتي تصيرعلى قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادّا كالكوز مُجَخيِّا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه " رواه مسلم (1/128-129)..
جعل الله قلوبنا بيضاء، وطهرها من المعاصي والرذائل والشبهـات. ففي الحـديث التعبـير بالفعل المضارع (تُعرض)، وهو هنا يدل على استمرار البلاء والامتحان: كما أن هذه الفتن لا تأتي دفعة واحدة، وإنما شيئا فشيئا حتى يصبح القلب أسود -والعياذ بالله- أو يسلمه الله فينجح في الامتحان فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فالنفس تدعو إلى الطغيان، وإيثار الحياة الدنيا. والرب -جل وعلا- يدعو عبده إلى خوفه، ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين وهذا هو موضع الفتنة والابتلاء.
ملحوظة: بعض المشتغلين بالدعوة وطلب العلم يظنون أن غاية الابتلاء والامتحان هو الأذى الجسـدي: من سجن وتعذيب وأسر وقتل، وغيرها، أو أذىً معنوي من: مقاطعة الناس له، أو عدم استجابة، أو سخرية واستهزاء به، وغيرها، وهذا قصر لمفهوم الابتلاء على بعض أنواعه، وإلا فإن أشد أنواع الابتلاء هو ابتلاء هذا القلب وامتحانه، وكـم رأينا ممن نجـح في امتحان الأذى. والتعذيب، لكنهم أخفقوا في امتحان القلب! ولذلك كان من دعاء الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [سورة آل عمران، الآية: 8].
نسأل الله - سبحانه وتعالى- أن يوفقنا ويعيننا على الاستجابة لله وللرسول، وأن يحي قلوبنا، وألا يحال بيننا وبين قلوبنا بمعاصينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
[align=right]__________________________________________________ ______
عودا عودا أي: تعاد وتتكرر شيئا بعد شيء.
أشربها أي: دخلت فيه ولزمته.
أنكرها أي: ردها.
مربادًا أي: شديد السواد في بياض.
مجخيا أي: كالكأس المنكوس، لا يعلق به خيرا وحكمة. [/align]